ابن بطوطة

270

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

حكاية [ أمير لا يحب البكاء ] كان السلطان منسى موسى لما حج ، نزل بروض لسراج الدين هذا ببركة الحبش « 105 » ، خارج مصر ، وبها ينزل السلطان واحتاج إلى مال فتسلّفه من سراج الدين وتسلّف منه أمراؤه أيضا وبعث معهم سراج الدين وكيله يقتضى المال فأقام بمالي فتوجه سراج الدين بنفسه لاقتضاء ماله ، ومعه ابن له فلما وصل تنبكتو أضافه أبو إسحاق الساحلي ، فكان من القدر موته تلك الليلة ، فتكلم الناس في ذلك ، واتّهموا أنه سم ، فقال ولده : إني أكلت معه ذلك الطعام بعينه فلو كان فيه سم لقتلنا جميعا لكنه انقضى أجله ! ووصل الولد إلى مالّي واقتضى ماله وانصرف إلى ديار مصر . ومن تنبكتو ركبت النيل في مركب صغير منحوت من خشبة واحدة ، كنا ننزل كل ليلة بالقرى فنشتري ما نحتاج إليه من الطعام والسمن بالملح وبالعطريات وبحلى الزّجاج ، ثم وصلت إلى بلد أنسيت اسمه ، له أمير فاضل حاج يسمى فربا سليمان مشهور بالشجاعة والشدة ، لا يتعاطى أحد النزع في قوسه ، ولم أر في السودان أطول منه ولا أضخم جسما ، واحتجت بهذه البلدة إلى شيء من الذّرة فجئت إليه ، وذلك يوم مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم « 106 » ، فسلمت عليه ، وسألني عن مقدمي ، كان معه فقيه يكتب له فأخذت لوحا كان بين يديه وكتبت فيه : يا فقيه ! قل لهذا الأمير : إنّا نحتاج إلى شيء من الذرة « 107 » للزاد والسلام ! وناولت الفقيه اللوح يقرأ ما فيه سرّا ويكلم الأمير في ذلك بلسانه ، فقرأه جهرا وفهمه الأمير ، فأخذ بيدي وأدخلني إلى مشوره ، وبه سلاح كثير من الدرق والقسي والرماح ، ووجدت عنده كتاب المدهش لابن الجوزي « 108 » فجعلت أقرأ فيه ، ثم أتى بمشروب لهم يسمى الدّقنو ، بفتح الدال المهمل وسكون القاف وضم النون وواو ، وهو ماء فيه جريش الذرة

--> ( 105 ) بركة الحبش ، كانت جنوب الفسطاط ، وفي بعض المخطوطات بركة الخش - عن السّلف الذي اضطر اليه موسى بعد أن صرف طنّا ونصف الطن من الذهب يذكر أن التجار هناك ربحوا « أضعافا مضاعفة » فإنهم في مقابلة تسليفهم لثلاثمائة دينار مثلا ربحو سبعمائة ! ( عن حج موسي انظر بدائع الزهور لابن إياس الذي ينعته بملك التكرور ويذكر أنه قدّم هدايا جليلة . . . ) هذا وحسب رواية أخرى فإن سراج الدّين ابن الكويك سلف موسى ثلاثين ألف دينار وبعث باثنين من رجاله إلى مالي لاسترجاع ماله بيد أن هذين توفيا بمالي ، وهنا بعث بولده فخر الدين أبى جعفر وبعث معه بموظف ثالث لكن الموت أدركت حينئذ موسى نفسه فلم يحصل المبعوثان على شيء . . . Monteil : Les Empires du MALIp . 113 Peckingham IV P . 970 N 0 81 . ( 106 ) 12 ربيع الأول 754 يوافق 25 غشت 1353 . ( 107 ) ليس القصد إلى الذّرة الأمريكية التي تعرف اليوم ولكن إلى الذرة البيضاء التي نقدّمها لطير الحمام . ( 108 ) هو عبد الرحمن بن علي الجوزي البغدادي الحنبلي أبو الفرج ، كثير التصانيف . . . من تأليفه تلقيح فهوم أهل الآثار . . . والأذكياء وأخبارهم ، وكتاب الحمقى والمغفّلين ، وتقويم اللسان ومنها هذا التأليف : « المدهش في المحاضرة وغرائب الأخبار » له نحو ثلاثمائة مصنف . . . أدركه أجله في بغداد عام 597 - 1201 .